محمد غازي عرابي

935

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

والمصابيح التي زين اللّه بها السماء الدنيا هي النجوم الظاهرات ظاهرا ، والباطن النجوم الباطنة وهي المعقولات الثابتات الحافظات ولقد قال سبحانه في موضع آخر إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( 4 ) ، فاللّه حفظ القلوب بهذه المعقولات الحافظة المقسمات أمرا ذلك تقدير العليم الحكيم . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 13 إلى 15 ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) [ فصلت : 13 ، 15 ] الصاعقة إشارة إلى نبأ الكشف الذي هو بمثابة قيام الساعة الصغرى والقيامة الصغرى كما كنا أسلفنا الكلام ، وهو يري البصيرة أن كل ما عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، والكشف دق إسفين في أرض الفكر الإنساني يشقه شقين ، ويشطره شطرين ، شطرا للّه وشطرا للبشر ، ثم يمحق اللّه الشطر البشري ، فإذا اللّه وحده الواحد القهار فوق هذا الفكر فلا فارس نحاسي في الساحة سواه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 16 إلى 19 ] فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) [ فصلت : 16 ، 19 ] الريح نوعان ريح للهداية وريح للغواية ، فأما ريح الهداية فهي كما قال سبحانه في سليمان وإبراهيم والمؤمنين : وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً وأما ريح الغواية فهي للذين استكبروا عن التسليم للحق بغير حق فكانت ريحهم هي المضلة ، فالريح هنا ريح الفكر المضل نفسه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 20 إلى 21 ] حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) [ فصلت : 20 ، 21 ] كنا قد تحدثنا عن دور الحواس في كتابنا الإنسان الكامل ، وبينا أن الحواس خادمة للإنسان ولكنها ليست هو ، والإنسان لها ريس ، وهي جند له يستخدمها كيف يشاء ، حتى إذا قامت الساعة ، صغرى كانت أم كبرى ، كشفت الحواس عن حقيقتها وأبانت جوهرها ،